عماد الدين خليل

68

دراسة في السيرة

الحبشة قرر زعماؤها أن يبعثوا في طلبهم رجلين قديرين إلى النجاشي لكي يردوا المهاجرين فيمارسوا معهم من جديد الفتنة والاضطهاد . واتجه الموفدان عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة إلى الحبشة وهما يحملان الهدايا للنجاشي ولبطارقته . وبدا بالبطارقة فسلما كلا هدية وقالا له : إنه قد لجأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم . فقال البطارقة : نعم . وعندما اتجه عمرو ورفيقه إلى النجاشي وعرضا عليه طلبهما بتسليم المهاجرين ، وقالت البطارقة من حوله : صدقا أيها الملك ، قومهم أعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما ، غضب النجاشي وقال : لا واللّه ، إذن لا أسلمهم إليهما ، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولون أسلمهم إليهما ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني « 1 » . وما لبث النجاشي أن دعا المهاجرين لحضور مجلسه ، وعندما سألهم عن طبيعة الدين الذي دفعهم إلى مفارقة قومهم ، تقدم جعفر بن أبي طالب وقال : « أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . . فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من اللّه . فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه تعالى . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك واخترناك على

--> ( 1 ) ابن هشام : ص 73 - 75 .